رسالة فيديوية من الوزير كيري حول المفاوضات السورية، 31 كانون الثاني/يناير 2016

وزارة الخارجية الأمريكية

وزير الخارجية جون كيري

واشنطن العاصمة

31 كانون الثاني/يناير 2016

كلمة حول المفاوضات السورية في جنيف

الوزير كيري: منذ خمس سنوات تقريبا، و العالم يشاهد في حالة من الرعب سوريا وهي تتفكك في صراع وحشي أدى الى مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين داخل وخارج البلاد. واليوم، تشهد سوريا كارثة إنسانية متفاقمة، لا مثيل لها منذ الحرب العالمية الثانية.

في الأشهر الأخيرة، تم إطلاق مبادرة دبلوماسية جديدة وذات قاعدة واسعة، تشارك فيها لأول مرة جميع البلدان الرئيسية في الصراع، والهدف من هذه المبادرة هو الحد من العنف وعزل الجماعات الإرهابية مثل داعش، ووضع  الأساس لسوريا التعددية السلمية التي يتعايش فيها الشعب بكل مكوناته والتي نسعى إليها جميعا.

في نهاية هذا الاسبوع، ندخل مرحلة محورية في هذا الجهد الدبلوماسي. حيث يبدأ مسؤولون من النظام السوري والمعارضة الشاملة ممثلة في الهيئة العليا للمفاوضات بالعملية التفاوضية التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف. هذا الصباح، وفي ضوء ما هو على المحك في هذه المحادثات، أناشد كلا الجانبين بتحقيق الاستفادة القصوى من هذه اللحظة – وإغتنام الفرصة لخوض مفاوضات جادة – والتفاوض بحسن نية، بهدف تحقيق تقدم حقيقي وملموس في الأيام التي تليها مباشرة.

ان العالم يأمل أن يقوم كلا الجانبين بالتحرك بسرعة لتلبية إحتياجات الملايين من السوريين اليائسين، للحد من الضغط على البلدان المجاورة، وخفض معدلات النزوح، والمساعدة في استعادة السلام والإستقرار.

تشمل الموضوعات الرئيسية على جدول الأعمال ترتيبات لوقف إطلاق النار في عموم البلاد وإنشاء مسارلإنتقال سياسي يضع حداً للصراع وفقا لبيان جنيف لعام 2012 وقرار مجلس الأمن رقم 2254.

ورغم ان ديناميات ساحة المعركة يمكن ان تؤثرعلى القوة التفاوضية، الا انه لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع. وبدون مفاوضات، فإن إراقة الدماء سوف تطول حتى يتم تحويل آخر مدينة إلى ركام، كما سيتم عمليا تدمير كل بيت، وكل شكل من أشكال البنية التحتية، وكل مظهر من مظاهر الحضارة. وهذا سيتضمن زيادة عدد الإرهابيين الذين صنعهم وجذبهم هذا الصراع. ويمكن لهذا الصراع بسهولة أن يعم المنطقة بأكملها وهذا ما يمكن أن تمنعه المفاوضات في جنيف.

هناك أيضا ضرورة ملحة وقاهرة يقتضيها القانون الدولي وأبسط قواعد اللياقة الإنسانية – أن نتخذ الخطوات الآن لتحسين الوضع على الأرض للشعب السوري.

الأزمة الإنسانية، وخيمة بالفعل وغير مقبولة، وتزداد سوءا يوما بعد يوم. الأرقام وحدها صادمة. ما يقرب من 13.5 مليون من السوريين في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية. ستة ملايين من الأطفال. مئات الآلاف لا تزال محاصرة في مناطق حيث شحنات المواد الغذائية غير موجودة أو نادرة. الأهم من ذلك أن وراء كل من هذه الأرقام، هنالك إنسان مثل أي واحد منا – رجل، امرأة، أو طفل يعانون معاناة على نطاق لا يمكن تخيله .

المثير للصدمة، أن أقل من واحد في المئة – واحد في كل مائة – من السكان المحاصرين في سوريا تلقوا مساعدات غذائية في عام 2015 ونحن لا نتحدث فقط عن المناطق البعيدة التي يصعب الوصول إليها.

بلدة مضايا لا تبعد عن دمشق أكثر من ساعة بالسيارة. ومع ذلك، ففي الأشهر الأخيرة، أجبر سكانها على أكل العشب والأوراق. كيف قام النظام والميليشيات التي تدعمه بالإستجابة لذلك؟ عن طريق زرع الألغام الأرضية، ووضع الأسلاك الشائكة لمنع عمال الإغاثة من الوصول إليها. في نهاية هذا الاسبوع، وصلتنا تقارير تفيد بوفاة 16 شخصا اخر بسبب المجاعة وسط البرد والشتاء القارس. كما وصف السكان الآخرين كهياكل عظمية تمشي على الأرض.

والمأساة في مضايا بعيدة كل البعد عن كونها الحالة الوحيدة. عموما، ومنذ بداية العام الماضي، تلقى النظام السوري 113 طلباً من الأمم المتحدة لإيصال المساعدات الإنسانية. المدهش، أنه تمت الموافقة على وتنفيذ 13 فقط من هذه الطلبات. وفي الوقت نفسه، فإن الناس يموتون والأطفال يعانون ليس كنتيجة مباشرة لوقوع حادث الحرب، ولكن كنتيجة لتكتيك مقصود – الاستسلام او الموت جوعا. وهذا التكتيك يتعارض تعارضا مباشرا مع قوانين الحرب.

دعوني أكون واضحا. النظام السوري لديه مسؤولية؛ جميع أطراف النزاع عليها واجب – لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان ممن هم في حاجة ماسة إليه، وهذا ليس خلال أسبوع، وليس بعد مزيد من المناقشات، ولكن الآن – اليوم.

بموجب القرار 2254، الحكومة وجميع الأطراف ملزمة كذلك بوقف عمليات القصف وغيرها من الهجمات ضد المدنيين – وهذا ايضا ليس في نهاية المطاف، ولكن على الفور. يجب أن يكون المجتمع الدولي موحداً في الضغط من أجل الامتثال، كل من الحكومات التي تدعم المعارضة، وعلى وجه الخصوص الحكومات التي تدعم بشار الأسد، الذي تسيطر قواته على الغالبية العظمى من الأراضي الواقعة تحت الحصار.

يجب علينا أن لا ننسى ما سيتذكره الشعب السوري دائما: الأسد وحلفائه كانوا منذ البداية، إلى حد بعيد المصدر الرئيسي للقتل والتعذيب والحرمان في هذه الحرب. كما كانوا عامل الجذب الرئيسي للمقاتلين الأجانب إلى سوريا، مقدمين بذلك سبباً للإنضمام ل داعش.

في الأسابيع الأخيرة، كان الزملاء في المجموعة الدولية لدعم سوريا على اتصال دائم من أجل التوصل إلى نهج موحد و أكثر تعاونا للحد من هذا الصراع ولضمان وصول الإمدادات وفرق العمل الإنساني إلى المناطق المحاصرة. يحتاج العالم للدفع في اتجاه واحد – نحو رفع الظلم عن الشعب السوري وتخفيف معاناته وليس إطالة أمد هذه الحرب.

لا شيء من شأنه أن يسحب البساط من تحت داعش أكثر من حل سياسي تفاوضي يتيح لجميع الأطراف التركيز على هزيمة هذه المجموعة الإرهابية مرة واحدة وإلى الأبد. وما حدث هذا الصباح قد أكد هذه الضرورة الحتمية مرة أخرى، حيث هاجم مفجرون إرهابيون مزاراً دينياً في دمشق مما أسفر عن مقتل العشرات.

الشعب السوري يستحق خيارا حقيقيا لنوعية المستقبل الذي يريده. ليس خيارا بين القمع الوحشي من جهة والإرهابيين من جهة أخرى؛ فهذا هو الخيار الذي يود نظام الأسد أن يعرضه. ما يحتاجون إليه هو نوع الاختيار الذي ينبثق من عملية سياسية ذات مصداقية.

هذا الأسبوع في جنيف، يمكن أن تأخذ هذه العملية السياسية مجراها. الطريق أمامنا ما زال صعبا. النجاح غير مضمون. لكننا رأينا من خلال سنوات من القتال الوحشي نتائج غياب التفاوض الجدي.

ولذا فإنني أحث جميع الأطراف على اغتنام هذه الفرصة والمضي قدماً مع وضع مصالح بلدهم العليا في الاعتبار. لقد أنشأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إطارا لإنهاء الحرب في سوريا. وهذا الإطار يشمل وقف إطلاق النار، ووصول المساعدات الإنسانية الى جميع أنحاء البلاد، عملية إنتقالية، وإجراء انتخابات في غضون 18 شهرا يتمكن السوريين من خلالها تحديد مستقبل سوريا.

الفرصة الآن حقيقية وموجودة لتحقيق المستقبل الذي يضمن وحدة سوريا واستقلالها وسلامتها اراضيها، وطابعها الغير طائفي. للحفاظ على مؤسسات الدولة سليمة. ولحماية حقوق جميع السوريين، بغض النظر عن العرق أو الطائفة الدينية.

ندعو الطرفين في جنيف لاتخاذ الخطوات العاجلة الأولى وعدم تفويت الفرصة التي تقدمها هذه اللحظة.