كيري يتحدث عن التهديدات التي يتعرّض لها التراث الثقافي في العراق وسوريا

وزارة الخارجية الأميركية
مكتب المتحدث الرسمي
نيويورك، ولاية نيويورك

22 أيلول/سبتمبر 2014

وزير الخارجية جون كيري

كلمته في الفعالية التي أقيمت حول التهديدات التي يتعرّض لها التراث الثقافي في العراق وسوريا

22 أيلول/سبتمبر 2014

متحف متروبوليتان للفنون

نيويورك، ولاية نيويورك

الوزير كيري: شكرًا جزيلا لك، يا توم على استضافتنا جميعًا هنا في هذا التجمع الرائع، وفي هذا الموقع الاستثنائي جدًا، الذي نشكر فيه المصريين على كرمهم وأوغسطس على إبداعه الخلاق. إنها خلفية خاصة جدًا لأي شخص.

على مدى عقود من الزمن- إنه لشرف عظيم لي أن أكون هنا معكم جميعا، ولا سيما أنني تمكنت من الابتعاد عن يوم من التعامل مع حقائق السياسات التي وراء ما يحدث هنا، وإنها لمناسبة خاصة جدًا بالنسبة لي أن أحضر إلى هذا المتحف– الذي طالما سعدت بزيارته كشخص مدني لمجرد التجول فيه والاستمتاع بمحتوياته، كما يفعل العديد منكم– إن هذه المؤسسة الرائعة التي أتاحت الفرصة لملايين الناس لمعرفة المزيد حول ماضينا الجماعي والتعرّف على بعض من أروع الأمثلة على الإنجازات البشرية على كوكب الأرض.

وستتاح لنا، في وقت لاحق من هذا المساء، الفرصة لرؤية العديد من تلك الإنجازات مباشرة في هذا المعرض الرائد الذي يقام بعنوان “من آشور إلى أيبيريا في فجر العصر الكلاسيكي”. وإننا يا توم، عاجزون عن التعبير عن شكرنا لك بما يكفي على قيادتك. إنه أمر استثنائي.

وأريد أيضًا أن أتوجه بالشكر لإميلي رافرتي. لقد جعلتنا مسيرة إميلي المهنية التاريخية كرئيسة للمتحف جميعًا نشعر بالفخر. لم يقم إلا عدد قليل من الناس بأكثر مما قامت به أو أكثر مما خاضته من كفاح لجعل هذا المتحف والكنوز التي يحويها متاحة أمام الجمهور. إنها قناعة دائمة، وإميلي سوف تترك وراءها تركة دائمة عندما تتقاعد في العام المقبل بعد أربعة عقود استثنائية من الخدمة هنا. وأعتقد أن الجميع ينضم إلي في توجيه الشكر لك. (تصفيق)

كما أود أيضًا أن أشكر البروفيسور مايكل دانتي على تسليط الضوء على أمر يمثل دون شك تحديًا عالميًا حاسم الأهمية. فعندما يتعلق الأمر برفع مستوى الكفاح من أجل حماية التراث الثقافي للعراق وسوريا والحفاظ عليه، فمايكل وزملاؤه في المدرسة الأميركية للأبحاث الشرقية يعتبرون حقًا معيار الذهب. فهو أول عالم آثار أميركي منذ أكثر من نصف قرن يبلغ جبال زاغروس في كردستان على طول الحدود بين تركيا وإيران. وظل يتردد على سوريا لأكثر من عقدين من الزمن، حتى اندلاع الصراع، وذلك من أجل حماية هويتها الثقافية والتراثية. إننا جميعًا ممتنون له على التزامه العميق. ولا بد لي من الإشارة إلى أنني أقول، خلال السنوات الـ 29 الماضية التي عملت في مجلس الشيوخ الأميركي، ذهبت إلى دمشق عدة مرات وإلى سوريا، وإنني أقشعر لهول ما يحدث الآن، وعلى وجه الخصوص لأماكن غير عادية مثل حلب.

وإنه لمن دواعي غبطتي وسروري أن أكون هنا مع الرئيس هادي البحرة– من المعارضة العراقية- ائتلاف المعارضة السورية.. لقد كان يوما طويلا. (ضحك). والمدير العام لليونسكو إيرينا بوكوفا؛ وإليزابيث دوغال، رئيسة اللجنة الأميركية للمجلس الدولي للمتاحف؛ وبوني بورنهام، رئيسة الصندوق العالمي للآثار. والدكتور زكي أصلان، مدير المركز الإقليمي في الشارقة التابع للمركز الدولي لدراسة صيانة وترميم الممتلكات الثقافية الإقليمية.

والآن أواصل من حيث بدأ توم، وسأكون صريحًا وواضحًا في ما أقول. إننا نجتمع في خضم واحد من أفظع الاعتداءات وأكثرها مأساوية على تراثنا المشترك التي قد يكون قد شهدها أي منا في حياته. إذ باتت الكنوز العريقة في العراق وفي سوريا الآن ضحية لاستمرار الحرب وأعمال النهب. ولم تفعل أية مجموعة أخرى لوضع تراثنا الثقافي المشترك في مواقع القتال بالبنادق أكثر مما فعلته داعش.

إن أفعال داعش لا تقتصر على قطع الرؤوس؛ إنهم يمزقون نسيج حضارات بأكملها. ليس لديها أي احترام للحياة. ولا تحترم أي دين. ولا تحترم الثقافة، التي هي في الواقع أساس الحياة بالنسبة للملايين. إنها أبعد ما تكون عن إخفاء تدميرها الكنائس والمساجد، إنها تبث أخبار هذه الأفعال بكل فخر لتظهر لجميع دول العالم تصرفاتها الشاذة ولتخويفنا جميعًا وربما حملنا ذلك على التراجع عن قيمنا. بالنسبة لأبناء شعبي العراق وسوريا الأبييْن- أصحاب الحضارات العريقة والحضارات الرائعة- يمثل تدمير تراثهم إهانة نهائية مقصودة، ومثال آخر على شر داعش وحقدها. إنها تسرق الحياة، نعم، ولكنها أيضا تسلب الملايين أرواحهم.

كم هو صادم ومشين تاريخيًا إذا لم نفعل شيئًا بينما تقوم قوى الفوضى بنهب مهد حضارتنا. الكثير من التقاليد والعادات المختلفة يرجع جذورها إلى هذا الجزء من العالم. إن علميات النهب في أفاميا والصالحيه، والدمار الذي سببه القتال الدائر في مدينة حلب القديمة المدرجة على قائمة المدن التراثية لليونسكو، وتدمير المواقع الدينية، بما في ذلك قبر النبي يونس– هذه الأفعال المروعة لا تنحصر مأساتها على الشعب السوري أو العراقي. إذ إن أعمال التخريب هذه تعتبر مأساة لجميع الشعوب المتحضرة، ولذا يجب أن يتخذ العالم المتحضر موقفا.

إذن، فما هو الأمر المعرّض للخطر حقا هنا؟ إنكم حينما تقومون بجولة في هذا المعرض وتشاهدون النقوش الجدارية المنحوتة على الحجر الجيري الآشورية أو التماثيل الحيثية السريانية، يمكنكم أن تخرجوا بتجربة شخصية تذكركم بقدرة الإنسان على الإبداع. كل قطعة أثرية تحكي قصة- قصة إنسانية، قصتنا نحن. ولكننا نعلم أيضًا أنه: عندما تدمر داعش العشرات من الأضرحة في الموصل أو تماثيل الأسود التاريخية في الرقة، وعندما تقصف قوات الأسد معبد بل الروماني في تدمر، فإننا نقف شاهدين على الهمجية الثقافية في أسوأ حالاتها. إنها همجية قبيحة، متوحشة، عديمة القيمة لا يمكن تفسيرها. إنها ليست مجرد أن قوى التطرف تهدد بالعودة بنا إلى العصر الحجري. إن المتطرفين يريدون أن يسلبوا من الأجيال المقبلة أي صلة بالماضي. هذا هو بعمق ما هو معرّض للخطر. وإذا ما تركتم المشكلة تستفحل، وإذا لم تتخذوا موقفًا، فإننا جميعًا متواطئون.

أريد منكم جميعا أن تعلموا أن الرئيس أوباما وحكومته يحرصان حرصًا شديدا على حماية التراث الثقافي للبلدان في جميع أنحاء العالم. وهذا هو السبب في أننا بصدد تمويل جهد تاريخي مع المدارس الأميركية للأبحاث الشرقية لتوثيق حالة مواقع التراث الثقافي في سوريا. كما أننا نقدم دعمًا إضافيًا لتوسيع نطاق هذا الجهد إلى العراق. كما نقوم بالاستفادة من دعمنا لخبراء المحافظة على التراث العراقيين ونزودهم بالتدريب اللازم على التوثيق في أحوال الطوارئ والتأهب للكوارث والاستجابة لها.

وسوف نقيم، من خلال المؤسسة الوطنية للعلوم، شراكة مع الرابطة الأميركية للنهوض بالعلم في مشروع يتم فيه استخدام تقنيات الجغرافية المكانية لتعقب تدمير المواقع التاريخية في سوريا. وقد صدرت للتو دراسة كبيرة تثبت تدمير هذه المواقع علنا. وهذه تمثل كذلك آخر جرس إنذار؛ وأولئك الذين ينكرون الأدلة أو يختارون الأعذار فيما يجري، إنما هم يلعبون بالنار آنذاك.

تراثنا يتعرض للخطر في هذه اللحظة، ونحن نعتقد أنه يتحتم علينا أن نقوم بعمل ما الآن. إننا نفعل ذلك مع العلم بأن قيادتنا، قيادة الولايات المتحدة، يمكن أن تحدث فرقا وأن الكفاح من أجل حماية التراث الثقافي للعراق وسوريا لا يعني فقط قيمنا المشتركة. إنه يعني حماية تراثنا المشترك. وهذه هي القصة التي أريد أن أترككم معها هذا المساء.

لقد كان قبر النبي يونس الذي ذكرته منذ لحظة مكانًا مقدسًا في الموصل بالنسبة لليهود والمسيحيين والمسلمين. كان رمزًا للتسامح، وتذكرة قوية بالتقاليد التي نتشاطرها. ففي طبيعتها المنحرفة، رأت داعش أن القبر ومسجد النبي يونس الذي يقع فيه بمثابة تهديد لها. ولذا أحاطت المسجد بالمتفجرات وحولته إلى تراب. وعندما رأى رجل من الأهالي يدعى عمر هول الدمار لخص ردة الفعل في الموصل؛ قائلا: “لقد بكينا دمًا جرّاء ما حدث.”

تلك هي المخاطر، وهذا هو عالمنا: داعش تجبر شعبي العراق وسوريا على دفع ثمن تراثهما الثقافي بالدم. ونحن عقدنا العزم على مساعدة العراقيين والسوريين في حماية تراثهم والحفاظ عليه بسلام. تلك هي مسؤوليتنا المشتركة. وهذا هو السبب في أن قضية الضمير والقناعة التي هي قضيتنا للعمل في العراق وسوريا اليوم بالغة الأهمية.

أشكركم على المشاركة في فعالية الليلة، وفي هذا التذكير بقيمنا، وهذا التذكير بالتواصل بيننا، والتذكير بالمسؤولية الملقاة على عاتقنا. وشكرا. (تصفيق)